يحيي بن حمزة العلوي اليمني
53
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
فاكتفى بذكر المسبب الذي هو القراءة عن السبب الذي هو الإرادة وهكذا قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [ المائدة : 6 ] والمعنى إذا أردتم القيام ، فوضع مسبّبها مكانها ودل به عليها ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا قام أحدكم إلى الصّلاة فليتوضّأ » يريد إذا أراد أحدكم ؛ لأن الفعل مسبّب عن الإرادة ، ومن هذا قوله تعالى : فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ [ البقرة : 60 ] والمعنى « فضرب فانفجرت » وأمثال ذلك كثيرة . الضرب الثالث : [ الحذف الوارد على شريطة التفسير ] ، وتقرير هذا أن تحذف جملة من صدر الكلام ، ثم يؤتى في آخره بما له تعلق به ، فيكون دليلا عليه ، ثم إنه يرد على أوجه ثلاثة ، أولها : أن يكون واردا على وجه الاستفهام ، وهذا كقوله تعالى : أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ [ الزمر : 22 ] لأن التقدير في الآية أفمن شرح الله صدره كمن جعل قلبه قاسيا ، وقد دل عليها بقوله : فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وثانيها : أن يكون واردا على جهة النفي والإثبات ومثله قوله تعالى : لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا [ الحديد : 10 ] لأن تقدير الآية لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل ، وقد دل على هذا المحذوف بقوله : أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وثالثها : أن يكون واردا على غير هذين الوجهين ، وهذا كقوله تعالى : وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ ( 60 ) [ المؤمنون : 60 ] فالمعنى في الآية والذين يعطون ما أعطوا من الصدقات وسائر القرب الخالصة لوجه الله تعالى : وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أي خائفة من أن ترد عليهم صدقاتهم فحذف قوله ويخافون أن ترد عليهم هذه النفقات ، ودل عليه بقوله : وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ فظاهر الآية أنهم وجلون من الصدقة وليس وجلهم لأجل الصدقة ، وإنما وجلهم لأجل خوف الرد المتصل بالصدقة ، وعلى هذا المعنى يحمل قول أبى نواس : سنّة العشّاق واحدة * فإذا أحببت فاستكن فحذف الاستكانة من الأول وذكرها في المصراع الثاني ، لأن التقدير ، سنة العاشقين واحدة وهي أن يستكينوا ويتضرعوا ، فإذا أحببت فاستكن ، ونحو هذا ما قال أبو تمام : يتجنّب الآثام ثمّ يخافها * فكأنما حسناته آثام